* •.¸¸.•*´مكتبة ومطبعة ديزاينر `*•.¸¸.• *





Free CursorsMyspace Layou
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوتر الحساس
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
avatar

ذكر
sms كل سنة وجميع البشر بخير وحب وسعادة وتسامح
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 755
نقاط 10001683




العمر : 29
تاريخ الميلاد : 21/03/1989

تاريخ التسجيل : 18/07/2009


بطاقة الشخصية
لعبة النرد:

مُساهمةموضوع: عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..   الإثنين 30 نوفمبر - 22:09


ستون عاماً انقضت على نكبة فلسطين. ستون صفحة طواها كتاب الذاكرة لدى
بعضنا، ودفتر النسيان لدى بعضنا الآخر. ستون عاماً في رزنامة الورق
المبعثر على جدران الأمل.. لكنها ستة ملايين سؤال ومثلها أصداء في وادي
النسيان العربي السحيق: متى أعود؟ ستون عاماً وملايين الحناجر تردد مع
محمود درويش: أين أهلي؟ خرجوا من خيمة المنفى، وعادوا مرة أخرى سبايا. لكن
لاجئة غسان كنفاني “أم سعد” حسمت الأمر وقضت بأن الخيمة ليست للجوء فحسب
وقطعت بأن “خيمة عن خيمة تفرق”.

“أم سعد” هي ملايين اللاجئين الذين صهرهم بعض فرسان الكلام في مرجل
الروتين وتجارة الشعارات ومسودات الحلول مدفوعة الثمن من بنوك ممولي
النكبة. ملايين أريد لهم أن يظلوا للأبد متسولين على أعتاب وكالة الغوث،
أو مواطنين معززين مكرمين خارج وطنهم، شريطة أن ينسوه أو يبيعوه للصوص
وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق.

ستون عاماً وهذه ال “إسرائيل” لم تنجح إلا في البقاء عضواً غريباً في جسد
لم ولن يألفها.. ومهما طال زمانها الأسود، لن تسمع من أحرار وشرفاء الأمة
سوى الوجع المعبأ في جعب من الحقد المقدس ونشيد الأمل على إيقاع درويش
الذي أنشد: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. على هذه الأرض.. أم
البدايات.. أم النهايات.. كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين.


“الخليج” تفتح كتاب النكبة على مصراعيه، تجول في ثنايا المخيمات وفي
الذاكرة الفلسطينية من كهولها وتقرأ فيها الأمل والرجاء والعزم والاصرار
على التمسك بالأرض والحق فمفاتيح المنازل مخبأة في القلوب، وسنوات التيه
والتشرد لم تمسح عنها زهر البرتقال وشميم الأرض. والذاكرة الفلسطينية لا
تزال حية ومتوقدة في روح من عاصروا النكبة ومن عاشوا سنوات جمرها على
امتداد الوطن العربي، يقرأوون منها دروس الحاضر والمستقبل.


يافا وحيفا والقدس وسعسع شواهد على وطن حي فينا

سحلوا الصبايا وبقروا بطون الحوامل وعلقوا أجنتها على الحراب


حضرت فلسطين بكامل ألقها وزهوها وذكريات محفورة في القلب والعينين وكأنها
لم تغب لحظة، لم تغادرهم أو يغادروها ولم تدسها عجلات الزمن. لم تزدهم
سنوات التشرد والوجع والترحال المريرة والطويلة إلا حنيناً وعشقاً
والتصاقاً بوطن سكن الشرايين كما الدم منها يتنفسونه أملا ورجاء وحرية لا
بد آتية.

تلتمع العيون بالحنين، حين تشتعل الذاكرة بالوجوه والأحداث والصور في عودة
سريعة إلى حضن الوطن “الذي نشتاقه ونفتقده بشدة والذي نرفض أن نتخلى عنه
أو ننساه مهما طال الزمن وطالت الغيبة” كما قال جميع من التقيناهم من
فلسطينيي النكبة والذين استحضروا أحداثاً ومواقف وصوراً ومحطات حميمة
نابضة بالحياة من فلسطين الوطن.


يافا... عروس الشاطئ


د. بسام حربي الأيوبي المولود في يافا سنة 1928 اختصاص أمراض داخلية
جهاز هضمي، يقبض على أرشيف الصور والرسائل القديمة كما يقبض على التاريخ
رافضاً ان تسقط من ذاكرته ولو بعض الأسطر من حكاية يافا التي كما يقول
إنها أكثر مدينة في فلسطين جسدت التعايش بين الطوائف. ويضيف: “لا أذكر
أننا في يافا فكرنا مرة أن نسأل أحداً عن ديانته أو طائفته، عشنا مسلمين
ومسيحيين معاً وبلا تمييز. تعلمنا في المدرسة ذاتها وولدنا بالحي ذاته
وكبرنا سوياً. لم يعترض والدي على صداقتي لمسيحي يوماً أو يستغرب حضوره
لبيتنا ومشاركتنا طعامنا او لهونا. هكذا تربينا في فلسطين وفي يافا
تحديداً بعيداً عن المذهبية القبيحة أو الطائفية البغيضة”.

ويتطرق د. بسام إلى أهم مدرستين خاصتين في يافا إلى جانب المدارس الحكومية
وهما مدرسة الفرير ومدرسة السان جورج التابعة للروم الأرثوذكس. “لم نشعر
يوماً بأننا غير مرحب بنا في مدارس الفرير بل بالعكس وربما في هذه الحكاية
التي أتذكرها الآن أكثر من دلالة. حين كنت في الثانية عشرة من عمري أرسلت
رسالة إلى صديق من بيت فاخوري في لبنان والذي لم يكن حاضراً حينها
ليتسلمها باليد، فأرسل لي رداً عليها مع د. إيلي فنيال الذي أصبح طبيب
أسنان اليوم وكان حينها قد حضر إلى فلسطين لمتابعة دراسته فيها. كتب صديقي
في رسالته “اعتذر لأني لم استطع مقابلة صديقك الذي أحضر لي رسالتك”، وحين
قرأت أجهزة الرقابة البريطانية الرسالة ألقوا القبض على حاملها من دون أن
يعرفوا كم عمري أو ماذا أدرس. فحضر البوليس الإنجليزي إلى بيتنا وسأل أُمي
عنا فأجابتهم أنني بالمدرسة. فذهبوا إلى المدرسة لإلقاء القبض عليّ وحينها
رفض مدير المدرسة تسليمي لهم وقال بحزم “أنا ما بسلّم ولا ولد من عندي”،
وأغلق أبواب المدرسة بوجه البوليس الإنجليزي وقال “بتعرفوا بيته روحوا
خذوه من بيته”. ولم يكتف بذلك، فقد أرسل معي أحد الرهبان ليرافقني حتى
البيت، ربما يعطي هذا المشهد فكرة عن الانفتاح الذي عاشته يافا تحديداً
وعن واقعها السياسي تحت الانتداب”. ويضيف د. بسام أنه واصل دراسته في يافا
حتى السنة الثانوية ما قبل الأخيرة ليكمل دراسته في بيروت لاحقاً ويدرس
الطب في الجامعة “اليسوعية” فيها.


العدالة البريطانية

ما هي أبرز الأحداث التي عايشتها في يافا؟

يجيب د. بسام: قبل ثورة سنة 1936 كان أعضاء ورئيس بلدية يافا وكاتب
مدينة البلدية ينتخبون انتخاباً ولكن بعد هذا التاريخ أصبح يتم تعيينهم من
قبل الانتداب، الأمر الذي أحدث انشقاقات وخلافات ما بين المؤيدين
للانتخابات وما بين “جماعة” الإنجليز المؤيدين للتعيينات، ورغم انني كنت
صغيراً آنذاك إلاّ أنني أذكر جيداً أن أصدقاء للعائلة كان والدهم قد تم
تعيينه رئيساً للبلدية وهو ما انعكس على علاقتنا بهم ولم تعد صداقتنا كما
السابق، كذلك أصبحوا يعيشون نوعاً من العزلة الاجتماعية والمقاطعة. يضيف
د. بسام وقد التمعت عيناه “أذكر جيداً البلدة القديمة في يافا وبيت جدي
فيها وقد أصبح سكانها قلائل. إنها تشبه تماماً صيدا القديمة وطرابلس
القديمة. بيوتها المشيدة من حجارة مرصوصة وميناؤها المطل على البحر”.
ويستدرك د. بسام موضحاً “ميناء يافا كان للبواخر الصغيرة والآتية بمعظمها
من قبرص واليونان محملة بالجبن. وبدل أن يطور الإنجليز ميناء يافا ويوسعوه
عمدوا إلى تطوير ميناء تل أبيب”، ويستذكر ميناء يافا بسلاسته وبحّارته
اليونانيين والقبارصة الذين أنشأوا علاقات ودّ وصداقة مع أهل يافا يقضون
أوقاتهم في مقاهيها وباستضافة أهلها في بيوتهم. ويضيف بمرارة وحزن أن
الانتداب كان يفرض قوانينه وسلطته على العرب فقط بينما يفعل اليهود ما
يريدون.

ماذا عن والدك؟ هل تذكر شيئاً عن نشاطه في يافا خاصة وأنه كان عضواً في حزب الاستقلال وقد تعرض للملاحقة والسجن؟

كان أبي كاتب مدينة يافا وهو الموقع الذي يتحمل مسؤولية العمل في
البلدية كاملاً. وقد تعرض فعلاً لرقابة صارمة وملاحقة من قبل الانتداب في
أكثر من محاولة للإيقاع به باعتباره من الثوار. ومن تلك المحاولات أن
أرسلوا ذات ليلة أحد الملثمين إلى البيت ولم يفتح له أحد وبعد أن طرق
الباب مرات عديدة قال له جارنا في الطابق الأرضي: لا أحد في البيت غير
النساء. لا تتعب نفسك رجل البيت غير موجود. وكان أن شاهد ملامح ذلك الرجل
ووصفها لأبي.

كان مكتب أبي في البلدية يطل على ساحة يافا الجديدة فاستشبه أبي بأحد
الشباب يقف على زاوية من زوايا الساحة فطلب إلى رجاله ان يمسكوا به وحين
سأله أبي اعترف انه مكلف من قبل الإنجليز الذي يريدون ان يثبتوا تعامله مع
الثورة. وهكذا كان فحين عاد أبي بعد الظهر إلى البيت تمّ اعتقاله وسجن.
كان هذا في أواخر سنة 1937 ليبقى أبي سجيناً حتى سنة 1940 ومن تاريخ سجنه
لم تحدث انتخابات بلدية.

ويأخذه الحنين مجدداً إلى شوارع يافا وأحيائها والى نادي اللاتين فيها على
أول طريق العجمي والذي كان يديره خوري ايطالي. يبتسم د. بسام ويعلّق “صحيح
أنه نادي اللاتين لكنه كان لجميع الطوائف ويستقبل العائلات اليافاوية بلا
استثناء. كنا نجتمع في النادي لنمارس الرياضة ولنتسلى أيضاً”.

ويتابع: “تركت يافا سنة 1937 لمتابعة دراستي في مدرسة سوق الغرب أنا
واخواتي لأن والدي لم يشأ أن يلحقنا بمدارس انجليزية. وعدت إلى يافا سنة
1939 لأبقى فيها حتى آخر سنة 1943 وكان أبي حينها لا يزال معتقلاً. وحين
وقعت الحرب أجرى أبي ترتيبات لحماية أخواتي اللواتي تركهن مع السيدة وداد
قرطاس ببرمانا. أما أنا وكنت حينها أدرس الطب في اليسوعية فأعتبر أن
بامكاني كشاب أن أتدبر أمري. عاد أبي من بيروت إلى يافا عبر باخرة صغيرة
تحمل الجبن القبرصي وبقي في عرض البحر خمسة أيام بسبب العواصف وكان قد
شاهد البواخر التي ترحّل الفلسطينيين خارج الوطن فطلب أن يخرج الأطفال
والنساء فقط ليبقى الرجال لكن أحداً لم يصغ وحين وصل بيتنا فوجئ به مغلقاً
ليكتشف لاحقاً أن أمي وخالتي وبناتها تركوا في نفس ذلك اليوم بعد أن قام
البعض بنقل رسالة لهم ادعوا فيها على لسانه بأنه ينتظرهم في بيروت. لقد
أرادوا ترحيل العائلة ولو لم يدّعوا تلك الكذبة لما وافقت العائلة على
الخروج. وقد حاول أبي أن يطلبهم إلى يافا بواسطة الصليب الأحمر فهو لم
يخطر له ولا لمرة واحدة بأن يترك يافا ويرحل. فأبي حين عمّر بيتنا كتب على
واجهة المدخل وقد وضع علَميْن عربيين “باسم العرب نحيا وباسم العرب نموت”
والعادة المتبعة أن يكتب الناس مثلاً “هذا من فضل ربي” أو “الملك لله”
وحين لامَهُ أصدقاؤه قال هذا هو ايماني وقناعتي. وربما لهذا الموقف دلالته
وهو الذي ترك الجيش التركي لينضمّ للثورة وكان أول من آمن وعمل للقضية
العربية وبقي متمسكاً بها حتى آخر يوم في حياته”.

يغمض د. بسام عينيه ويجيب “نعم أحنّ إلى يافا وأحلم بالعودة اليها، إلى
يافا فقط ولا أقبل ببديل عنها ولو طلبوا مني أن أعود إلى غزة أو رام الله
فلن أعود. فأنا بالنسبة لي لا فرق بين غزة وبيروت. أنا بلدي يافا وأريد
العودة اليها اليوم قبل غدٍ ولن أتردد لحظة واحدة.. يافا مدينة الحضارة
والثقافة والتعدد.. أجمل المدن في عيني ولا بديل لها في قلبي”.


حنين إلى يافا


جاكلين جورج خياط، رئيسة جمعية انعاش المخيم الفلسطيني وعضو هيئة ادارية
في الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني. ابنة يافا أيضاً تتحدث عن مدينتها
بحنين جارف خاصة عن شارع بيتهم في النزهة قرب مستشفى الدجاني مقابل مدرسة
المعارف للصبيان واسمها مدرسة “العامرية” وقد تخرج فيها شفيق الحوت وفاروق
القدومي. تقول جاكلين “كان والدي وكيل شركة “خيطان كوتس” وأمي بيروتية
اسمها فيوليت طاسو. أحنّ إلى يافا كلها وليس لبيتنا وحيّنا فقط. أحلم
بشارع النزهة الذي كنت أعبره يومياً إلى شارع الفيصل ومن ثم إلى مدرسة
“تابيثا مشن سكول”، المدرسة الاسكتلندية التي كانت تسمى أيضاً على اسم
مديرتها “مس بين” والتي كانت مقابل المستشفى الفرنسي بيافا. كان بيتنا يقع
في شارع جديد وكنا قبل ذلك نقيم في حي العجمي الحي القديم في يافا والقريب
من البحر. لم تكن البنايات في يافا لتتجاوز الطابقين وإن حدث فثلاثة طوابق
وهذا أمر نادر. احياء يافا خليطة من المسلمين والمسيحيين الذين يتعايشون
كأسرة واحدة. أتذكر خلف بيتنا تترامى بيارات الليمون ورائحته التي تنعش
القلوب ومازلت أذكر شارع الملك جورج الذي يقود إلى فندق كونتننتال ومنه
إلى سوق بسترس الذي كان أصحابه لبنانيين وهو سوق ضخم يحتوي على كل ما
يحتاجه المرء من ملابس وكماليات وأحذية وأقمشة وفوبيجو وغيرها”.


هل تذكرين كيف غادرتم يافا؟

لقد تركنا فلسطين يوم الخميس في 22 ابريل/ نيسان ،1948 كنا نعاني من
الرعب بسبب ما شهدناه وما سمعنا به من مجازر ومذابح ترتكبها عصابات
الصهاينة، ففي التاسع من نيسان ارتكبوا مجزرة دير ياسين تلك المجزرة
الوحشية التي تقشعر لها الأبدان لمجرد ذكر تفاصيلها أو وقائعها. ولأشهر
طويلة كنا نسمع أصوات التفجيرات والاعتداءات كون يافا قريبة من تل أبيب.
حتى كان صباح ذلك الأحد حيث هاجمت العصابات الصهيونية المدينة واقتادوا
أهلها إلى الميناء لترحيلهم.

أما عن ذكرياتها حول اضراب سنة 1936 أو ما سمي باضراب الستة أشهر فتقول
“كان اضراباً شاملاً نفذته فلسطين كلها وليس يافا فقط. لقد أغلقت المتاجر
وتوقفت الحركة ما دفع بأمّي إلى السفر هي واخوتي إلى بيروت بينما بقي أبي
في يافا. تلك المرحلة التي تضج بالنضال لا تزال عالقة بذاكرتي، منها ان
معظم الشباب والرجال كان يرتدي الكوفية والعقال حتى أولئك الذين لم يحلموا
بعمرهم ان يضعوها، فقد أصبحت الكوفية كما العقال رمزاً للثورة والجميع
يضعها تيمناً بها”. وتوضح جاكلين بأن أنصار النشاشيبي في القدس كانوا
يعتمرون الطرابيش بينما أنصار الحسيني ونسيبه يعتمرون الكوفية والعقال
ومعظمهم في يافا. وبعد أن ساءت الأحوال لم يعد بامكاننا البقاء فقرر الأهل
الخروج بنا والسفر إلى بيروت. كان ذلك نهار الخميس في 22 نيسان سنة 1948
ولم نتمكن من ايجاد سيارة لتقلّنا كما هي العادة وحين وصلنا مطار اللد
استقلّينا آخر طائرة أقلعت حينها من هذا المطار. كانت طائرتنا هي آخر
طائرة تقلع من مطار اللد إلى بيروت. والمفارقة هنا اننا ونحن عائلة تتجاوز
الثمانية أشخاص لم نحمل معنا سوى حقيبتي ملابس فقط لأننا كما قيل لنا
آنذاك ان غيابنا لن يدوم لأكثر من أسبوع أو أسبوعين. خرجت بنا أمي لكن أبي
بقي، وربما أرادت أمي أن توجد في ذلك الوقت مع أهلها الذين كانوا يحتفلون
بزفاف خالي ما دفع أبي لاحقاً للومها باستمرار رغم اننا لم نحضر في
الحقيقة حفل الزفاف. بعد ثلاثة أيام من مغادرتنا هجم الصهاينة على يافا
وكان ما كان. “لقد صدّقنا الحكومات العربية، قالوا لنا كلها أيام وسنربح
الحرب وتعودون لبلادكم والأيام امتدت حتى أصبحت ستين عاماً ومن يدري ما
سيحدث غداً”.

وتضيف “صدقيني انني ما زلت أحفظ رقم تلفون بيتنا 640 وبيت عمي الفريد 1365”.


د. قسطنطين انكليزس (زوج جاكلين) مهندس مدني فلسطيني يوناني الأصل من
مواليد وسط القدس شارع ماميلا وهي كما يقول منطقة وسط ما بين اليهود
والعرب. انتقلت عائلته لاحقاً إلى منطقة البقعة الفوقا وهي حيّ عربي يقع
في القدس الغربية. يقول قسطنطين “من يتحدث اليوم عن القدس الغربية كبلد
عربي؟ لا أحد يقول ان هناك قدس غربية عربية رغم أنها عربية فعلاً فقد كان
فيها البقعة الفوقا على طريق بيت لحم الخليل والبقعة التحتا والأطمون
والطالبية وغيرها وهي جميعها أحياء عربية في القدس الغربية. كان اليهود
يهجّرون الناس ليأتوا بعصاباتهم ومهاجريهم ليقيموا مكان العرب”. ويضيف:
“نحن لم نهاجر رأساً وانما غادرنا البقعة الفوقا لنقيم في البلدة القديمة
أي داخل السور فقد بقي قسم عربي من القدس ولم يسقط حي الشيخ جراح الا سنة
1967. ويتابع “كوستي” ذكرياته “لقد درست في مدرسة السان جورج والتي كانت
تسمى مدرسة المطران وهي تقع على أطراف حيّ الشيخ جراح قرب بيتنا. أنا ولدت
ونشأت وترعرعت في القدس الغربية أحلى المدن وكان أبي يعمل في البلدية.

القدس جميلة جداً بشوارعها وساحاتها الخضراء وبيوتها الحجرية والتي تشيّد
من الحجارة المدقوقة حيث يحضرون نقّاشي الحجارة وهم “المعلمون” في هذا
المجال، يحضرونهم من القرى المجاورة خاصة من بيت صفافا. لم تكن البيوت كما
هي هنا من الباطون وطوابق متراصة. فالمبنى لا يزيد على طابقين والحجارة
تدق وترص بعناية.

لقد عشنا الحرب في القدس وأحسسنا بها ربما أكثر من غيرنا كونها كانت مركز
المندوب السامي وفيها تجمع الجيش الأجنبي في الحرب العالمية الأولى وأنا
عشت إضراب 1936 بكل صعوباته وتحدياته وقد فقدت المواد الغذائية والتموينية
من الأسواق ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ومن بعدها قرار هيئة الأمم سنة
1947. ويتحدث كوستي عن الإرهاب الصهيوني في القدس كانفجار فندق الملك
داوود والذي كان من أهدافه توجيه رسالة للبريطانيين بانتهاء مهمتهم. كان
هذا الفندق قد خصص قسماً كبيراً منه لدائرة السكرتاريا في حكومة الانتداب
فنسفته عصابة بيغن وقضى فيه أكثر من تسعين عاملاً وعاملة من السكرتاريا
ومعظمهم فلسطينيون، حتى أنه لم يبق بيت في القدس لم يرتد أهله السواد. كان
هذا سنة 1946 وكان اليهود يهدفون لإخراج البريطانيين تمهيداً لنقل القضية
إلى هيئة الأمم المتحدة لتمرير التقسيم وإعلان الدولة. ويتحدث أيضاً عن
الإرهاب الذي مارسته العصابات الصهيونية سنة 1936 في نابلس والخليل والذي
عرفت منه مذبحة الخليل المشهورة. وقد تصاعد الإرهاب الصهيوني منذ 1945
واستمر حتى قرار التقسيم. ومن عمليات الإرهاب التي يذكرها نسف وتدمير أحد
الفنادق في حي القطمون قرب البقعة الفوقا في القدس وتفجير سيارة مفخخة في
باب العامود ايضاً في القدس راح ضحيتها العشرات، وكان الهدف من التصعيد
بعد قرار التقسيم ترهيب الفلسطينيين ودفعهم للهرب خاصة من منطقة القطمون.

ويستعيد خريطة القدس الغربية التي عمدت العصابات الصهيونية لتفريغها من
سكانها العرب. ويقول “كان بالقرب من البقعة الفوقا مستعمرة تلفيوت وفي
المقابل مستعمرة نكر حاييم ولكن داخل البقعة الفوقا جميع السكان عرب،
وبالتالي تكررت هجمات المستوطنين وعمليات التفجير والترهيب لإفراغ
المدينة، ولم يحل كل هذا الإرهاب من تصدي الشعب الفلسطيني ومقاومته عبر
الاضرابات والتظاهرات احتجاجاً على الاستيطان والتهويد وعلى ضلوع الانتداب
في دعم هذه العصابات. ففي سنة 1936 اضربت يافا عن بيع البرتقال وكان هناك
الاضراب الشامل ولستة اشهر أيضاً نوعاً من الاحتجاج على ما يجري. ويلخص
قسطنطين مشاريع التقسيم التي اقترحتها حكومة الانتداب لفلسطين بثلاثة،
المشروع الأول وضع سنة 1927 والثاني سنة 1936 وكان الاضراب بهدف اسقاطه
كونه أعطى أراضي عربية واسعة لليهود. ثم المشروع الثالث سنة 1947 وهو
التقسيم الذي اعتمدته الأمم المتحدة ويشبه نوعاً ما مشروع تقسيم سنة ،1936
وبعد ذلك اعلنت بريطانيا انها ستنسحب في 15 مايو/ أيار، ولكنها بدأت
الانسحاب من بعض المناطق قبل ذلك التاريخ إذ انسحبت من حيفا في 22 أبريل/
نيسان لتسقط المدينة نهار الأحد في 25 أبريل/ نيسان، أما اللد والرملة فقد
بقيتا عربيتين ولم تسقطا بيد العدو إلا بعد الهدنة. تلك الهدنة التي أتاحت
للعدو إعادة نشر قواته وتزويدها بالسلاح، ففي سنة 1948 وكما أذكر كانت
الأحياء اليهودية في القدس الغربية على وشك الاستسلام حيث كانت محاصرة
تماماً وقد قُطعت عنها المياه والإمدادات إلى أن جاءت النجدة لليهود عبر
موافقة العرب على هدنة الشهرين التي سهلت للعدو ترتيب وتعزيز مواقعه بعد
أن كان باب العامود مغلقاً تماماً. ويتحدث كوستي عن أبشع أنواع الإرهاب
التي تعرضت لها مدينتا اللد والرملة حيث تم نسف المنازل على رؤوس اصحابها،
كما يتذكر أنه وبسبب الحرب لم يستطع إنهاء دراسته في السان جورج لأن
المدرسة تقع على الخط الأخضر “جرين لاين” في الشيخ جراح وقد تم إغلاقها ما
دفعني لمتابعة دراستي في “الفرنت سكول” في رام الله لأقطع يومياً مسافة
عشرين كيلو متراً في الباص ذهاباً وإياباً، لكن أحن للقدس الغربية،
ولبيتنا ولحيّنا في البقعة الفوقا الذي كان حياً هادئاً وجميلاً. لقد
غادرنا بيتنا دون أن نأخذ شيئاً.. حتى الصور تركناها على الجدران. كان
هناك خطر على حياة أبي من اليهود، فرغم أصوله اليونانية إلاّ أنه من
مواليد القدس وحبها يجري في دمه كما العروبة أيضاً.


بقروا بطون الحوامل


نجية محمد حسين أو “أم عفيف” كما تحب أن تناديها، من مواليد
“القبّاعة” قضاء صفد ومن سكان مخيم برج البراجنة حالياً، جدّة ولها أحفاد
لا تتوقف يوماً عن تذكيرهم بفلسطين. تبتسم أم عفيف وتشرق عيناها لحظة
تسترد طفولتها في قرية “القبّاعة” تقول “انا أعرف فلسطين جيداً فهوايتي
منذ الطفولة أن أُرافق أهلي في تنقلاتهم داخل فلسطين.. كنت صغيرة حين
التقطت أذناي الكثير من الحكايات التي كان يبثها العدو لنشر الذعر بين
السكان الفلسطينيين ودفعهم للهرب. كانت بعضها تروي كيف يأتي اليهودي ويطعن
العربي في قلبه ويستخرجه من صدره ويأكله وفي الحقيقة أنهم فعلوا أكثر من
هذا خاصة أولئك “أصحاب الجدائل والطواقي”، وكنت أُصادفهم يحملون كتباً
ويتقدمون مجموعات من الصبية اليهود ليقفوا في أماكن محددة يضعون عليها
بالعبرية شارات وأسماء يهودية. كانوا يشحنون هؤلاء الصبية بالحقد ضد
الفلسطينيين ويوهمونهم أنها أرضهم. كنت أخاف من هذا المشهد خاصة مع ما
اسمعه يومياً عن عمليات نسف البيوت على رؤوس أصحابها فكانت مجازر حطين
ودير ياسين والصفصاف لا تزال حيّة في ذاكرتي. كنت أرى الذعر في عيون الناس
الذين هربوا أو نجوا من هذه المذابح. ففي دير ياسين بقروا بطون النساء
وعلّقوا اجنتّها على رؤوس الحراب. كانت لديهم طائرات تقصف وتدمر وأبشع ما
فعلوه سحل البنات إذ عمدوا إلى ربط إحدى ساقي الصبية بسيارة جيب والساق
الأخرى بسيارة أخرى لتأخذ كل سيارة طريقاً مغايرة ويتم شق الصبية إلى
قسمين. كان أبي يعمل بالتجارة وبيتنا كان واسعاً جداً تحيط به أرض واسعة
نزرعها بكل أنواع الخضار اضافة إلى ذلك الاسطبل الكبير للأبقار والذي كنا
نسميه “بايكة”. من قريتنا يتفرع شارع واحد يؤدي إلى مدينتي صفد وحيفا وعلى
هذا الخط كانت تقع مستعمرة “نجمة الصبح” وعلى مقربة من بيتنا كان سوق
الخالصة والزبيديات حيث تنصب خيام واسعة لعرض البضائع من أقمشة ودواجن
وخراف وكل ما يمكن ان يحتاجه المرء. كنت أرافق أبي إلى السوق وأجلس قرب
البضاعة التي يشتريها، وفي أحد الأيام اشترى غنماً ووضعها في شاحنة بيك آب
ورغم أنني جلست قربه إلى جانب السائق الا ان رائحة الغنم ضايقتني فرحت
أبكي طوال الطريق وأطلب اليه ان يستقل سيارة ليس فيها مواش. ما زلت أذكر
حمامات طبريا والتي كانت نساء بلدتنا بعد الولادة تذهب إلى هذه الحمامات
لاجراء مغاطس وحمامات تليّن الجسم بعد تيبّس الولادة. كنت أشاهد النسوة
كيف يخلعن ملابسهن ويرمين بأنفسهن في الماء الغالي وحين أرادت أمي ان أنزل
إلى الماء رحت أبكي وأصرخ ذعراً باعتبار أنه ماء يغلي وقد يسلخ جلدي
ولكنها شرحت لي فوائده وحقيقته. وتتوقف أم عفيف لتخرج من صندوقها القديم
مفتاحاً أكله الصدأ. قبضت عليه بحب وهي تقول انه مفتاح بيتنا في القباعة.
بلدنا حلو كتير وغني بكروم العنب والزيتون والرمان والصبار والتين. أهله
لا يجوعون أبداً.. كنا نأخذ فواكهنا هذه لطبريا ونحضر منها البرتقال، لقد
هربنا تحت الرصاص حفاة وما زلت أسمع أزيز الرصاص وهو يشلّخ الحجارة..


أريد العودة إلى كروم التين


محمد حسن أبوحسان لاجئ فلسطيني من بلدة سعسع المشهورة قضاء صفد، ومن سكان
مخيم برج البراجنة. يقول محمد إنه درس في سعسع حتى الصف الرابع الابتدائي
لأنه بعد هذه المرحلة كان لا بد من متابعة الدراسة في عكا أو صفد.

وفي قريته كان المهم هو تعليم المرحلة الابتدائية لحفظ القرآن وقراءة قصص
الزير سالم وعنترة. لم يكن للوظيفة قيمتها ولم تكن مطلوبة في قريته كون
أهلها جميعهم مزارعين وليسوا بحاجة للوظيفة. كان محمد يقرأ لجده في جلسات
المساء وسط أصدقاء الجد وجيرانه قصص الزير سالم وبني هلال ولا يزال يذكرها
حتى اليوم. ويذكر ان أستاذ اللغة العربية طلب رؤية وليّ أمره صبحي عوض
بلعوس وهو حينها كان مختار العائلة لأن لكل عائلة في قريته زعيمها أو
مختارها. وقال له إن خطية محمد برقبتك ان لم تكمل له تعليمه فهو صبي ذكي
وينتظره مستقبل كبير. فكان جواب الزعيم “عنده ما يكفيه من كروم العنب
والتين وأراض تطعم مئات العائلات وليست عائلته فقط”. ويتطرق محمد إلى
تعرّض بلدته للنسف ،1948 فيقول ان العصابات الصهيونية جاءت من مستعمرة عين
زيتن على بعد 15 كلم من قريتنا قرب صفد وسميت عين زيتن على اسم البلد
العربي الذي وجدت فيه وهي عين الزيتون.

كان ذلك التاريخ في فبراير/ شباط 1948 وفي الحادية عشرة ليلاً والناس تغط
في النوم مطمئنة وفجأة بدا وكأنه اعصار أو زلزال مخيف دوّت انفجارات
وتساقطت البيوت على رؤوس ساكنيها وقتل الأطفال والنساء تحت الردم عدا
الشباب والرجال. ويقسم محمد أن في أحد هذه البيوت التي تجاوزت خمسة عشر
بيتاً كان هناك عريس وعروس في ليلة الزفاف ودفنا تحت الردم. كما هدمت
الاسطبلات وقتلت المواشي وهذا عشته أنا ولم يحدثني أحد عنه أو أسمع به. في
تلك الليلة أشعَل الأهالي المشاعل لأنه لم يكن هناك كهرباء وحاولوا انقاذ
ما يمكن انقاذه من ضحايا التفجيرات وبعضهم راح يتتبع الأثر باتجاه الشرق
والغرب وشاهدوا آثار دم وبندقية انجليزية كانت قد سقطت في الجل. وتابعوا
الأثر حتى وصلوا أرض عيون الرخم في سعسع ليفاجأوا بوجود آثار بغال كانت
مربوطة في المنطقة وكذلك شوكولا وزجاجات كونياك فارغة وأدركوا ان العصابة
جاءت من الشرق من مستعمرة عين زيتن وعلى البغال ولأن الطقس بارد شربوا
الكونياك وأكلوا الشوكولا. لقد حضرت جميع القرى المحيطة بسعسع لتشاركها
مصابها آنذاك. كانت عملية وحشية تقشعر لها الأبدان آنذاك. ويتحدث محمد عن
طقوس الأفراح في فلسطين وكيف تتشارك القرية جميعها بتقديم الذبائح
والأطعمة والحلوى واحياء ليالي الأفراح لأسبوع متواصل حيث تسمى تلك
السهرات ب “التعاليل” وفيها يجري سباق الخيل والمهرة والرقص والدبكات في
ساحات القرية قبل أن يحضروا العروسين كل منهما على فرس في زفّة تقيمها
النساء للعروس وأخرى يقيمها الرجال للعريس. أما كيف تمّ خروجه من سعسع،
فيقول انها في الأساس بريطانيا ووعدها المشؤوم وانتدابها الذي سهّل دخول
العصابات الصهيونية إلى فلسطين كما سهّل تسليح هذه العصابات وتدريبها
اضافة إلى تخاذل الأنظمة العربية ان لم نقل وتآمرها.

ويتطرق إلى جيش الانقاذ الذي تم تشكيله وعلى رأسه فوزي القاوقجي من طرابلس
وأديب بيك الشيشكلي من سوريا وساري بيك من العراق وكيف أن هذا الجيش طلب
من الشعب ان يرتاح لأنه هو سيحرر فلسطين وهو الذي دعا الناس للخروج على
أساس انه سيعيدهم بعد التحرير. ويقسم محمد ان عدد اليهود آنذاك لم يكن
يتجاوز 5% وان يهود فلسطين كانوا كما مسيحييها في تعايش وتواصل ولا فرق
بين الطوائف حتى بدأت العصابات تتشكل كما هجرة اليهود إلى فلسطين. ويشير
إلى الطريقة التي اتبعها العدو في احتلاله لفلسطين عبر المذابح والتدمير
واحتلاله لأكثر من ثلاثين أو أربعين قرية يعلن بعدها الهدنة ليعيد ترتيب
أوضاعه ويستأنف هجومه واحتلاله. ويتحدث عن الارهاب الصهيوني في حيفا
وقضائها وكيف تمّ اسقاطه وترحيل الناس عبر البواخر. يقول “بقي قسم من قضاء
عكا وصفد حوالي ثلاثين قرية ليأتي جيش الانقاذ وتطلب قيادته من الناس
اخلاء بيوتها وتعدهم بالعودة بعد أيام ثلاثة ما جعل الناس لا تأخذ سوى
المفاتيح وبعض الملابس.. ويردد بأسى.. مين كان عارف قعدتنا رح تطول.. يهز
رأسه ويردد حتى لما طلع القرار 194 عن هيئة الأمم المتحدة قتل اليهود صاحب
القرار الكونت برنادوت لأنه أقرّ بحق العودة للفلسطينيين.. كل ما بيطلع
زعيم بدو الفلسطينيين يرجعوا على فلسطين يقتلوه.

يُخرج محمد أوراقه الثبوتية من صندوقه الأثير ويقول “لو يعطوني بلاد
العالم كلها لا بديل عن بلدي وبيتي وهذه أوراقه الثبوتية لا تزال معي”..

أريد أن أعود إلى كروم التين والعنب. حياتنا في بلدنا حياة ملوكية كل شيء
بطلع من أرضنا الغنية، صحيح أنه مرت ستون سنة ولكن أولادي وأحفادي يعرفون
فلسطين مني كما أعرفها لأنني أحدثهم عن بلدهم كل يوم حتى أصبحت في دمهم
ويرفضون أي بديل عنها.


يتبع ..



نحب لكم بصمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.designer.yoo7.com
الوتر الحساس
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
avatar

ذكر
sms كل سنة وجميع البشر بخير وحب وسعادة وتسامح
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 755
نقاط 10001683




العمر : 29
تاريخ الميلاد : 21/03/1989

تاريخ التسجيل : 18/07/2009


بطاقة الشخصية
لعبة النرد:

مُساهمةموضوع: رد: عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..   الإثنين 30 نوفمبر - 22:11

60 عاما على النكبة ... (الحلقة الثانية) ...

لاجئو الاردن.. جراح في مفكرة الارقام وآمال تسندها وثائق الأرض




شهداء، أسرى، جرحى، لاجئون، قرارات دولية، قرارات
عربية.. كلها ارقام بأرقام، هكذا بات حال الشعب الفلسطيني منذ نكبته قبل
ستين عاماً.


فلسطينيو الشتات، لاجئون، نازحون، وفي الاردن التي يقطنها اكثر من 7.1
مليون لاجىء، لا يزال من تبقى على قيد الحياة يتذكرون منازلهم الحجرية،
قليل ما تبقى منها صامدة كشاهد عيان، واخرى تهاوت امام جرافات عملاقة
جلبها الاحتلال ليحرف مسار تاريخ بإنشاء كيان وتهديم وطن.


شعب توزع على اصقاع الارض وآخر استحضر، بيد أن الخطوات الأولى على ارض
قرية العباسية يتذكرها الشيخ عبدالكريم صادق وهو يعتصر الماً قابضاً على
مفتاح منزله متوعداً بتسليمه الى اجياله من بعده، الدموع التي انهمرت لدى
سؤاله عما يتذكره في قريته كانت مدرارة بيد انها لم تكن كدموع ابي عبدالله
الصغير وهو يسلم مفاتيح الاندلس لفرناند وازبيلا. فالإصرار على العودة كان
اكبر، ويقول لن اقول كما قال عبدالله الصغير: ابكي مثل النساء ملكاً
مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.


خرج عبدالكريم من يافا الى الضفة الغربية يحمل معاني الهجرة في ظل اعتقاد
بأن المدة لن تطول كثيراً فحمل ما خف وزنه، لكنه يستطرد بالقول تسارعت
المذابح واتسعت لتشمل مختلف القرى والبلدات والمدن، وروح المقاومة تتعزز،
ومع وفاة طفليه بسبب المرض في مخيم عقبة جبر حمل امتعته وعبر الجسر شرقاً،
حاملاً معه هذه المرة صفة “نازح” بدلاً من “لاجئ” وهو يتمتع بحق المواطنة
الأردنية.


ومثل صادق يحتفظ الحاج عبدالكريم عمرو (75 عاماً)، أوراق قديمة تعود للعهد
العثماني واخرى للانتداب البريطاني تمثل ميراثاً لأرضه في قرية سيرين قرب
بيسان كدليل وحيد على حق ملكية في ارض هجرها، ويقول، في داخل كل لاجىء
فلسطيني قطعة من الارض، ليست ورقة أو مفتاحاً يحمله ليعود به الى بيته،
وانما قطعة زرعت تكبر كل يوم وتنمو تسقى بالدم.


وتحمل الحاجة فاطمة على كاهلها 67 عاماً، قضت معظمها خارج قريتها الام في
اراضي 1948 لتستقر في مخيم جبر للاجئين في الضفة الغربية، وهناك تزوجت
وانجبت اطفالها قبل ان تذهب إلى رحلة شتات جديدة هذه المرة لتقطع الجسر
شرقاً وتستقر في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين اكبر مخيمات اللاجئين في
الاردن، وتقول تحدثوا عن “يومين ونعاود، لحد الآن لا عدنا ولا شفنا حدا من
اللي وعدونا”. حكايتها لا تختلف كثيراً عن حكايات الالاف من سكان المخيم
الذي يصل تعداده وفقاً لإحصاءات غير رسمية الى نحو 80 الفاً، ومن المؤكد
ألا يمر الخامس عشر من مايو/أيار الذي يصادف الذكرى الستين للنكبة مروراً
عابراً، فاللاجئ الفلسطيني منذ ذلك الحين وهو يعد الارقام في ذاكرته لأنها
محطات حياتهم وتركتهم من اكثر شعوب العالم تعلقاً بالآمال، وما يصاحبه من
ألم.


كبار السن في المخيم يحتمون بذاكرتهم لإبقاء شعلة الارتباط بالمكان الوطن
الغائب حياً وقائماً في النفوس، فيما تذهب الاجيال الثالثة والرابعة لشؤون
حياتهاويبقى الوطن في الاذهان وعقول الاجيال الجديدة.


استحضار الوطن الغائب داخل العائلات الفلسطينية والاجداد الذين يرقدون في
مقابر الوطن الأم هو ما تبقى من جذور التواصل العاطفي مع فلسطين التاريخية.


النكبة مستمرة وهي مرشحة للاستمرار وسط اجواء تنذر بنكبة مركبة تتجسد
فصولها البشعة على الارض باحتلال استعماري إحلالي استوطن وهجّر، حاصر
وقتل، بث الفرقة بين ابناء الجلدة الواحدة ومجتمع دولي محكوم بمعايير
مزدوجة ودول عربية عاجزة صامتة وثمة من يرى بأنها متواطئة مجردة من
الخيارات والبدائل، باستثناء ما اصطلح على تسميته “خيار السلام
الاستراتيجي”، ولعل خريطة المواقف والمواقع الفلسطينية والعربية والدولية
يعاد انتاجها على الشاكلة التي كانت عليها قبل ايار/مايو 1948.


عشرات الفلسطينيين من اللاجئين في الاردن الذين سمحت لهم اتفاقية وادي
عربة السلمية دخول ارض فلسطين التاريخية، حاولوا التعرف إلى قراهم
وبلداتهم، فلم يفلحوا، فالعديد منها اختفى تماماً عن وجه البسيطة.



ويقول الثمانيني محمود عبدالكريم صالح ذهبت الى اللد حاملاً الأمل
والاحزان، مررت على بلدات عربية اشير الى اسمائها بالعبرية، وكان علي
قبلها ان اتجاوز ما يسمى بالخط الاخضر لاجد الدمار، وبصعوبة تعرفت إلى قرى
وبلدات فلسطينية، ثمة قرية عربية كانت تحمل اسم “دنون” لم اجدها وشارع
صلاح الدين في بيسان اصبح اسمه “هرتسل”.


“المفتاح والقوشان” و”كرت المؤن”، تأكيدات للفلسطينيين على حقهم في وطنهم،
ف “الكرت” الذي منحته الامم المتحدة لهم حولهم إلى لاجئين فيما قراراتها
تؤكد حقهم بالعودة الى وطنهم، لكن “الكارت” صار ايضاً وسيلة للبقاء
والعيش، فحامله يسعفه الحصول على مواد غذائية وتلقي العلاج عبر ما يعرف
بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهي الوكالة الاممية التي ما
زالت صامتة، فيما محاولات طمسها حثيثة.


ذكرى النكبة بالنسبة للفلسطينيين ليست ماضياً انتهى، بل هي ماض مستمر،
يبقى متواصلاً للمستقبل، واذا كان تعزيز الهويات الفرعية الاقليمية
والقطرية حتم على بعضهم من سكان الاردن التلويح بجواز السفر بدلاً من كرت
المؤن، فإن ثمة قناعات بانه ليس “وعد الله” هو الذي اعاد اليهود الى
فلسطين، بل وعد الاستعمار منطوق بلسان بلفور، ولجان حق العودة في المخيمات
تعمل بفاعلية، ترصد التصريحات وتطلق التأكيدات، واذا كانت النكبة
وشقيقاتها النكسة والكارثة والهزيمة قد حلت بالأمة، فإن ذلك ليس قدراً
محتوماً فالصراع ما زال مفتوحاً باعتباره وجودياً.


لا يعرف بعد مدى تقبل الفلسطينيين لاقامة دولة على جزء من ارض فلسطين
التاريخية، لكن مندوب الاردن الدائم لدى الامم المتحدة والمستشار السياسي
السابق في الديوان الملكي عدنان ابو عودة يرى ان قيام الدولة الفلسطينية
في حال نشوئها بحدود عام 1967 ستلبي البعد العاطفي لدى الكثيرين ممن
استقروا خارج فلسطين وتمكنوا من تحقيق نجاحات في حياتهم العملية.


ويضيف اللاجئ كفرد له حق في العودة لا يمحوه الزمن، لكن يبدو الآن أن له
بعداً سياسياً تتابعه السلطة الفلسطينية والدول المضيفة والثاني فردياً
بعيداً عن اية تسوية سياسية وهو حق لا تقرر الدولة نيابة عن الفرد.


وهنا في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين أجيال تمضي واخرى تتذكر الحكايات مملوءة بأمل العودة الى الارض الحلم.


شريف حسين (50 عاماً) يقول: لم اكن اتوقع يوماً ان تكون نهاية جدي الذي
كانت تجاعيد وجهه تعبر عما بداخله من مرارة والم واصرار، جدي الذي ولد في
قرية الجورة غرب مدينة عسقلان، والتي هجر منها العام 1948 على ايدي
العصابات “الاسرائيلية” مثله مثل باقي المواطنين في القرى والمدن
الفلسطيني، ان يتوفاه الله بعيداً عن وطنه وارضه التي طالما حلم بها
كثيراً ولم تفارق صورتها عيناه يوماً واحداً، كان دائماً يجمعنا امام باب
بيتنا، انا واخوتي حوله، ويبدأ بحديثه عن قريتي وما بها من خيرات سلبت على
ايدي العصابات الصهيونية، وكانت الدمعة تذرف من عيونه كأنه يعلم جيداً انه
سيموت بعيداً عنها. لن يعود ولن يرى ارضه مرة اخرى لأنه كان في حينها في
الثمانين من عمره.. بهذه الكلمات بدأ حسين حديثه عن حكايات جده الذي قضى
ولم تنقض وكأنها لا تزال مثل الناقوس يقرع في الذاكرة الهشة، كي يبقى
الامل بالعودة الى الارض الحلم. ويقول: كلماته البسيطة التي كان يقولها
لنا كانت تحمل معاني كثيرة وكانت بمثابة التجسيد الحقيقي للانسان
الفلسطيني ليزرع في قلوبنا وعقولنا حب الوطن والارض والتمسك بها، وعدم
التفريط بأي شبر منها مهما كلفت التضحيات.


ويتابع، يحضرني في احدى المرات عندما كنت اجلس معه قال لي: “يا بني ذرة
تراب من ارضك تسوى كنوز الدنيا وما فيها واوعى تفكر في يوم انك تتخلى عن
ارضك”.. كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي الهبت مشاعري وزادتني قوة
واصراراً على التمسك بالارض لانه كان يعلم جيداً بأننا ولدنا بعيداً عن
ارضنا وكان يراوده الخوف اننا سننسى هذه الارض بعد وفاته.


ويضيف “مفتاح الدار واوراق الطابو”.. كلمات كان يرددها كثيراً في جلساته
معنا، كان مفتاحه في يده وقد اعتلاه الصدأ، واوراق قديمة عفا عليها الزمن
لا تفارقه، لكنها كل ما يملك، وميراثه الذي سيورثه لنا، هو الارض والتراب
والبيت والحق الذي سلب منا، وهما الدليل الوحيد على حقنا وملكيتنا في
ارضنا التي هجرنا منها.


يتبع ..


نحب لكم بصمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.designer.yoo7.com
الوتر الحساس
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
avatar

ذكر
sms كل سنة وجميع البشر بخير وحب وسعادة وتسامح
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 755
نقاط 10001683




العمر : 29
تاريخ الميلاد : 21/03/1989

تاريخ التسجيل : 18/07/2009


بطاقة الشخصية
لعبة النرد:

مُساهمةموضوع: رد: عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..   الإثنين 30 نوفمبر - 22:13

60 عاما على النكبة ... (الحلقة الثانية) ...

لاجئو الاردن.. جراح في مفكرة الارقام وآمال تسندها وثائق الأرض








شهداء، أسرى، جرحى، لاجئون، قرارات دولية، قرارات
عربية.. كلها ارقام بأرقام، هكذا بات حال الشعب الفلسطيني منذ نكبته قبل
ستين عاماً.


فلسطينيو الشتات، لاجئون، نازحون، وفي الاردن التي يقطنها اكثر من 7.1
مليون لاجىء، لا يزال من تبقى على قيد الحياة يتذكرون منازلهم الحجرية،
قليل ما تبقى منها صامدة كشاهد عيان، واخرى تهاوت امام جرافات عملاقة
جلبها الاحتلال ليحرف مسار تاريخ بإنشاء كيان وتهديم وطن.


شعب توزع على اصقاع الارض وآخر استحضر، بيد أن الخطوات الأولى على ارض
قرية العباسية يتذكرها الشيخ عبدالكريم صادق وهو يعتصر الماً قابضاً على
مفتاح منزله متوعداً بتسليمه الى اجياله من بعده، الدموع التي انهمرت لدى
سؤاله عما يتذكره في قريته كانت مدرارة بيد انها لم تكن كدموع ابي عبدالله
الصغير وهو يسلم مفاتيح الاندلس لفرناند وازبيلا. فالإصرار على العودة كان
اكبر، ويقول لن اقول كما قال عبدالله الصغير: ابكي مثل النساء ملكاً
مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.


خرج عبدالكريم من يافا الى الضفة الغربية يحمل معاني الهجرة في ظل اعتقاد
بأن المدة لن تطول كثيراً فحمل ما خف وزنه، لكنه يستطرد بالقول تسارعت
المذابح واتسعت لتشمل مختلف القرى والبلدات والمدن، وروح المقاومة تتعزز،
ومع وفاة طفليه بسبب المرض في مخيم عقبة جبر حمل امتعته وعبر الجسر شرقاً،
حاملاً معه هذه المرة صفة “نازح” بدلاً من “لاجئ” وهو يتمتع بحق المواطنة
الأردنية.


ومثل صادق يحتفظ الحاج عبدالكريم عمرو (75 عاماً)، أوراق قديمة تعود للعهد
العثماني واخرى للانتداب البريطاني تمثل ميراثاً لأرضه في قرية سيرين قرب
بيسان كدليل وحيد على حق ملكية في ارض هجرها، ويقول، في داخل كل لاجىء
فلسطيني قطعة من الارض، ليست ورقة أو مفتاحاً يحمله ليعود به الى بيته،
وانما قطعة زرعت تكبر كل يوم وتنمو تسقى بالدم.


وتحمل الحاجة فاطمة على كاهلها 67 عاماً، قضت معظمها خارج قريتها الام في
اراضي 1948 لتستقر في مخيم جبر للاجئين في الضفة الغربية، وهناك تزوجت
وانجبت اطفالها قبل ان تذهب إلى رحلة شتات جديدة هذه المرة لتقطع الجسر
شرقاً وتستقر في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين اكبر مخيمات اللاجئين في
الاردن، وتقول تحدثوا عن “يومين ونعاود، لحد الآن لا عدنا ولا شفنا حدا من
اللي وعدونا”. حكايتها لا تختلف كثيراً عن حكايات الالاف من سكان المخيم
الذي يصل تعداده وفقاً لإحصاءات غير رسمية الى نحو 80 الفاً، ومن المؤكد
ألا يمر الخامس عشر من مايو/أيار الذي يصادف الذكرى الستين للنكبة مروراً
عابراً، فاللاجئ الفلسطيني منذ ذلك الحين وهو يعد الارقام في ذاكرته لأنها
محطات حياتهم وتركتهم من اكثر شعوب العالم تعلقاً بالآمال، وما يصاحبه من
ألم.


كبار السن في المخيم يحتمون بذاكرتهم لإبقاء شعلة الارتباط بالمكان الوطن
الغائب حياً وقائماً في النفوس، فيما تذهب الاجيال الثالثة والرابعة لشؤون
حياتهاويبقى الوطن في الاذهان وعقول الاجيال الجديدة.


استحضار الوطن الغائب داخل العائلات الفلسطينية والاجداد الذين يرقدون في
مقابر الوطن الأم هو ما تبقى من جذور التواصل العاطفي مع فلسطين التاريخية.


النكبة مستمرة وهي مرشحة للاستمرار وسط اجواء تنذر بنكبة مركبة تتجسد
فصولها البشعة على الارض باحتلال استعماري إحلالي استوطن وهجّر، حاصر
وقتل، بث الفرقة بين ابناء الجلدة الواحدة ومجتمع دولي محكوم بمعايير
مزدوجة ودول عربية عاجزة صامتة وثمة من يرى بأنها متواطئة مجردة من
الخيارات والبدائل، باستثناء ما اصطلح على تسميته “خيار السلام
الاستراتيجي”، ولعل خريطة المواقف والمواقع الفلسطينية والعربية والدولية
يعاد انتاجها على الشاكلة التي كانت عليها قبل ايار/مايو 1948.


عشرات الفلسطينيين من اللاجئين في الاردن الذين سمحت لهم اتفاقية وادي
عربة السلمية دخول ارض فلسطين التاريخية، حاولوا التعرف إلى قراهم
وبلداتهم، فلم يفلحوا، فالعديد منها اختفى تماماً عن وجه البسيطة.



ويقول الثمانيني محمود عبدالكريم صالح ذهبت الى اللد حاملاً الأمل
والاحزان، مررت على بلدات عربية اشير الى اسمائها بالعبرية، وكان علي
قبلها ان اتجاوز ما يسمى بالخط الاخضر لاجد الدمار، وبصعوبة تعرفت إلى قرى
وبلدات فلسطينية، ثمة قرية عربية كانت تحمل اسم “دنون” لم اجدها وشارع
صلاح الدين في بيسان اصبح اسمه “هرتسل”.


“المفتاح والقوشان” و”كرت المؤن”، تأكيدات للفلسطينيين على حقهم في وطنهم،
ف “الكرت” الذي منحته الامم المتحدة لهم حولهم إلى لاجئين فيما قراراتها
تؤكد حقهم بالعودة الى وطنهم، لكن “الكارت” صار ايضاً وسيلة للبقاء
والعيش، فحامله يسعفه الحصول على مواد غذائية وتلقي العلاج عبر ما يعرف
بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهي الوكالة الاممية التي ما
زالت صامتة، فيما محاولات طمسها حثيثة.


ذكرى النكبة بالنسبة للفلسطينيين ليست ماضياً انتهى، بل هي ماض مستمر،
يبقى متواصلاً للمستقبل، واذا كان تعزيز الهويات الفرعية الاقليمية
والقطرية حتم على بعضهم من سكان الاردن التلويح بجواز السفر بدلاً من كرت
المؤن، فإن ثمة قناعات بانه ليس “وعد الله” هو الذي اعاد اليهود الى
فلسطين، بل وعد الاستعمار منطوق بلسان بلفور، ولجان حق العودة في المخيمات
تعمل بفاعلية، ترصد التصريحات وتطلق التأكيدات، واذا كانت النكبة
وشقيقاتها النكسة والكارثة والهزيمة قد حلت بالأمة، فإن ذلك ليس قدراً
محتوماً فالصراع ما زال مفتوحاً باعتباره وجودياً.


لا يعرف بعد مدى تقبل الفلسطينيين لاقامة دولة على جزء من ارض فلسطين
التاريخية، لكن مندوب الاردن الدائم لدى الامم المتحدة والمستشار السياسي
السابق في الديوان الملكي عدنان ابو عودة يرى ان قيام الدولة الفلسطينية
في حال نشوئها بحدود عام 1967 ستلبي البعد العاطفي لدى الكثيرين ممن
استقروا خارج فلسطين وتمكنوا من تحقيق نجاحات في حياتهم العملية.


ويضيف اللاجئ كفرد له حق في العودة لا يمحوه الزمن، لكن يبدو الآن أن له
بعداً سياسياً تتابعه السلطة الفلسطينية والدول المضيفة والثاني فردياً
بعيداً عن اية تسوية سياسية وهو حق لا تقرر الدولة نيابة عن الفرد.


وهنا في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين أجيال تمضي واخرى تتذكر الحكايات مملوءة بأمل العودة الى الارض الحلم.


شريف حسين (50 عاماً) يقول: لم اكن اتوقع يوماً ان تكون نهاية جدي الذي
كانت تجاعيد وجهه تعبر عما بداخله من مرارة والم واصرار، جدي الذي ولد في
قرية الجورة غرب مدينة عسقلان، والتي هجر منها العام 1948 على ايدي
العصابات “الاسرائيلية” مثله مثل باقي المواطنين في القرى والمدن
الفلسطيني، ان يتوفاه الله بعيداً عن وطنه وارضه التي طالما حلم بها
كثيراً ولم تفارق صورتها عيناه يوماً واحداً، كان دائماً يجمعنا امام باب
بيتنا، انا واخوتي حوله، ويبدأ بحديثه عن قريتي وما بها من خيرات سلبت على
ايدي العصابات الصهيونية، وكانت الدمعة تذرف من عيونه كأنه يعلم جيداً انه
سيموت بعيداً عنها. لن يعود ولن يرى ارضه مرة اخرى لأنه كان في حينها في
الثمانين من عمره.. بهذه الكلمات بدأ حسين حديثه عن حكايات جده الذي قضى
ولم تنقض وكأنها لا تزال مثل الناقوس يقرع في الذاكرة الهشة، كي يبقى
الامل بالعودة الى الارض الحلم. ويقول: كلماته البسيطة التي كان يقولها
لنا كانت تحمل معاني كثيرة وكانت بمثابة التجسيد الحقيقي للانسان
الفلسطيني ليزرع في قلوبنا وعقولنا حب الوطن والارض والتمسك بها، وعدم
التفريط بأي شبر منها مهما كلفت التضحيات.


ويتابع، يحضرني في احدى المرات عندما كنت اجلس معه قال لي: “يا بني ذرة
تراب من ارضك تسوى كنوز الدنيا وما فيها واوعى تفكر في يوم انك تتخلى عن
ارضك”.. كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي الهبت مشاعري وزادتني قوة
واصراراً على التمسك بالارض لانه كان يعلم جيداً بأننا ولدنا بعيداً عن
ارضنا وكان يراوده الخوف اننا سننسى هذه الارض بعد وفاته.


ويضيف “مفتاح الدار واوراق الطابو”.. كلمات كان يرددها كثيراً في جلساته
معنا، كان مفتاحه في يده وقد اعتلاه الصدأ، واوراق قديمة عفا عليها الزمن
لا تفارقه، لكنها كل ما يملك، وميراثه الذي سيورثه لنا، هو الارض والتراب
والبيت والحق الذي سلب منا، وهما الدليل الوحيد على حقنا وملكيتنا في
ارضنا التي هجرنا منها.








































يتبع ..



نحب لكم بصمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.designer.yoo7.com
الوتر الحساس
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
avatar

ذكر
sms كل سنة وجميع البشر بخير وحب وسعادة وتسامح
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 755
نقاط 10001683




العمر : 29
تاريخ الميلاد : 21/03/1989

تاريخ التسجيل : 18/07/2009


بطاقة الشخصية
لعبة النرد:

مُساهمةموضوع: رد: عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..   الإثنين 30 نوفمبر - 22:15

60 عاما على النكبة ... (الحلقة الرابعة) ...

فلسطينيو 48 يخوضون معركة الوعي والهوية

فلسطينيو مخيم الأمعري يعيشون على الذكرى وأمل العودة









القدس المحتلة - وديع عواودة/رام الله - منتصر حمدان:

تتصاعد فعاليات إحياء الذكرى الستين للنكبة داخل أراضي 48 بأشكال مختلفة
في المجالين الثقافي والسياسي وسط حملة تحريض “إسرائيلية” ترى بذلك “نشاطا
كيديا ونبشا تحت أركان الدولة”.

وعلاوة على زيارات القرى المهجرة وعقد الندوات والمؤتمرات حول ذكرى النكبة
تفرد الصحف العربية في الداخل مساحات واسعة لاستعادة الرواية التاريخية
الفلسطينية بهذا الخصوص.

واتفقت الفعاليات الأهلية والسياسية على أهمية توحيد النشاطات المخطّطة
ضمن مجمل العمل الأهلي والجماهيري الفلسطيني ومختلف المؤسسات في الوطن
والشتات، وضرورة تأكيد المواقف والثوابت الوطنية من خلال بيان موّحد.

وتعمل هذه الفعاليات على إصدار مفكّرة تشمل كلّ النشاطات والفعاليات
المنظّمة، ضمن فعاليات العام الستين من النكبة الفلسطينية، وتعميمها
جماهيرياً وإعلامياً.

كما أكدت على إطلاق حملة متواصلة خلال العام والإسهام في إطلاق حركة الشعب
الفلسطيني للعودة والعمل على إقناع جهات دولية لمقاطعة احتفالات “إسرائيل”
بقيامها.

كما تسعى هذه الفعاليات على مواجهة إملاءات السلطات “الإسرائيلية”
ومخططاتها لإلزام الطلاب العرب في إحياء ذكرى “الاستقلال” على حساب رواية
النكبة استمرارا لما تقوم به منذ ستة عقود ضمن عمليات تزوير الوعي
والتهويد.

وكانت وزارة الداخلية قد منعت الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح من
إقامة مهرجان خاص لإحياء ذكرى النكبة في بلدة قانا الجليل ما دفع أهاليها
لاتخاذ قرار بإقامته الشهر المقبل رغم المعارضة.

ومن أبرز نشاطات فلسطينيي الداخل بهذه المناسبة تنظيم مسيرة العودة
الحادية عشرة في منتصف مايو/أيار لقرية صفورية المهجرة في قضاء الناصرة
وإقامة مهرجان سياسي وفني على أراضيها تحت عنوان “يوم استقلالكم يوم
نكبتنا”.

يشار إلى أن فلسطينيي 48 الذين يشكلون اليوم 18 في المائة من مجمل سكان
الدولة (1،2 مليون نسمة) من بينهم 250 ألف مهجر داخل وطنهم يواجهون هذه
الأيام حملة تحريض عنصرية رسمية وشعبية غير مسبوقة من حيث شراستها.

وتتجلى هذه الأجواء العنصرية الخطيرة اليوم بما تكشف عنه استطلاعات رأي
متتالية تظهر أن ثلاثة أرباع “الإسرائيليين” يؤيدون الترانسفير للعرب
بأشكال مختلفة منها ما يغلف ب “التبادل السكاني” مع السلطة الفلسطينية
وبصدور فتاوى دينية تحلل قتل العرب.

ويشير مدير مركز مكافحة العنصرية الناشط بكر أفندي في تصريح ل”الخليج” إلى
التحول الخطير في الرأي العام “الإسرائيلي” من ناحية مناصبة العداء
والكراهية لفلسطينيي 48. ويوضح أن دعوات الترحيل التي كانت تقال على
استحياء من قبل نسبة ضئيلة قبل عقدين على يد غلاة المستوطنين وأنصار
الحاخام العنصري مئير كهانا باتت اليوم التيار المركزي داخل المجتمع
اليهودي.

ويشير أفندي إلى أن آفة العنصرية تفاقمت بشكل خاص بدءا من العام 2000 بعد
هبة القدس والأقصى حينما خرج فلسطينيو 48 في مظاهرات غاضبة لمساندة شعبهم
في الأراضي المحتلة عام 67 مع اندلاع الانتفاضة الثانية.

وفي ذاك العام فتحت قوات الأمن “الإسرائيلية” النار على المتظاهرين فقتلت
13 شابا وجرحت المئات دون أن يقدم أحد من المجرمين للمحاكمة.

ورغم إدانة لجنة التحقيق الرسمية بالأحداث (لجنة أور) قوات الأمن بسرعة
الضغط على زناد القتل حينما تكون الضحية عربية قرر المستشار القضائي
للحكومة في يناير/كانون الثاني الماضي إغلاق ملف التحقيق بجريرة “عدم توفر
الأدلة الكافية”.

وعلى خلفية ذلك قررت اللجنة العليا لمتابعة شؤون فلسطينيي 48 ولجنة ذوي
الشهداء تدويل القضية وبدء حملة ملاحقة ل “إسرائيل” في المحاكم الدولية
استهلت بزيارة جنوب إفريقيا الأسبوع الماضي للإفادة من تجربة مكافحة
الأبرتهايد.


ويشير الدكتور أسعد غانم المحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا
إلى أن التحريض الرسمي ضد فلسطينيي 48 بلغ ذروة جديدة في السنوات الأخيرة
مشددا على الدور في تعبئة الرأي العام ضد كل ما هو عربي. ويضيف “منذ العام
2000 قتل نحو 30 مواطنا عربيا على يد متطرفين يهود أو من قبل الشرطة
لأسباب تافهة كعدم الامتثال لتعليمات أفراد شرطة المرور في الشارع”.

وأوضح غانم في تصريح ل “الخليج” أن التحريض الرسمي انطلق بصوت عال وفظ في
مؤتمرات هرتزليا الأخيرة التي اعتبرت المواطنين العرب “خطرا استراتيجيا”
على الدولة و”طابورا خامسا” و”سرطانا” داخلها.

واستذكر غانم قيام رئيس الحكومة السابق ورئيس المعارضة اليوم بنيامين
نتنياهو بالتأكيد خلال مؤتمر هرتزليا الخامس على أن العدو الحقيقي للدولة
يتمثل بالمواطنين العرب لا بالعدو الخارجي.

كما فاضل بعض القيمين على مؤتمر هرتزليا الخامس عام 2006 بين خطر فلسطينيي
48 ديموغرافيا وسياسيا وبين القنبلة النووية الإيرانية بالنسبة ل”إسرائيل”.


كذلك انعكست العنصرية المنفلتة في صدور عدد هائل من التشريعات العنصرية
داخل الكنيست والتي تحظر لم شمل العائلات الفلسطينية عبر طرفي الخط الأخضر
ومنع تسويق قسائم البناء من أراضي الدولة لغير اليهود ومنع كل من يزور
دولة معادية من المشاركة في الانتخابات العامة وغيرها.


هذا علاوة على تكريس التمييز بالميزانيات وبالعمل والتعليم وفي مختلف
مناحي الحياة رغم بحر الوعود بالمساواة المدنية وهذا ما يدفع قادة العمل
السياسي العربي للتأكيد على أن “إسرائيل” “ديمقراطية” بالنسبة لليهود
و”يهودية” بالنسبة للعرب.


وتشير معطيات دراسات مختلفة أن هناك آلاف الأكاديميين العرب العاطلين عن
العمل بعد أن أوصدت أبواب العمل بوجوههم حيث لا تزال الأغلبية الساحقة من
الشركات الحكومية تشغل اليهود فقط. ويتهم البروفيسور ماجد الحاج نائب رئيس
جامعة حيفا وسائل الإعلام العبرية بتأجيج نار العنصرية وتأسيس نظام
أبرتهايد في البلاد من خلال التحريض المنظم على المواطنين العرب ومساعي
شيطنتهم والتهويل من خطرهم.

وقال الحاج ل “الخليج” إن المعركة على وعي المواطنين العرب ما زالت مفتوحة
لافتا إلى أن “إسرائيل” تستخدم جهاز التعليم وأذرعها الأخرى منذ العام 48
لتشويه هويتهم من خلال تشكيل شخصية “العربي “الإسرائيلي”” تمهيدا لتدجينهم
وضبطهم وسلخهم عن شعبهم وحضارتهم ورواية شعبهم.

واستعرت نار التحريض على فلسطينيي 48 بعد نشرهم سلسلة وثائق رؤيوية تحدد
إحداثيات هويتهم وعلاقتهم بالوطن والمواطنة وبشعبهم وأمتهم على أساس كونهم
أقلية وطن أصلية تستحق حقوقا قومية جماعية لا حقوقا مدنية فحسب.

ورأت أوساط واسعة في الرأي العام “الإسرائيلي” ذلك “إعلان حرب” على الدولة
ويهوديتها تجلت بتصريحات وزيرة الخارجية تسيبي ليفني حينما أكدت مطلع
العام على الهوية اليهودية للدولة. ورأت ليفني بدولة الجوار الفلسطينية
تمثيلاً للتطلعات القومية لكافة الفلسطينيين بما في ذلك فلسطينيو الداخل
الذين رأوا بذلك محاولة جديدة لنزع الشرعية عن مواطنتهم وتساوقا مع دعوات
ترحيلهم.

وقبل ذلك كان آفي ديسكين رئيس الشاباك قد أعلن عزمه على إحباط نشاطات
سياسية حتى لو كانت قانونية من أجل الحفاظ على يهودية الدولة عملا بما
أسماه “الديمقراطية المدافعة عن ذاتها”.

وترى أوساط واسعة من فلسطينيي 48 أن ملاحقة الدكتور عزمي بشارة وحياكة ملف
أمني ضده حلقة في المسلسل المذكور وعقابا له على دوره في نشر وتعميق
الخطاب القومي لديهم خلال العقد الأخير، إضافة لمساعيه في تفكيك معادلة
التعريف للدولة بوصفها “يهودية وديمقراطية” وإثبات استحالتها.


“كنا نملك العشرات من الفدانات في بلدتنا الاصلية “لفتا”، ولكن بعد 60
عاما اصبحت انا واولادي واحفادي نعيش في مخيم فوق مساحة دونم ونصف
الدونم”، بهذه الكلمات عبر الحاج احمد محمود عبد الرحمن خلف (86) عاما،
عما ألم به وبعائلته التي كانت تعتبر من العائلات الاقطاعية في بلدة لفتا
القريبة من القدس المحتلة، حيث جرى تهجيرهم مع بقية سكانها بقوة السلاح
وتدمير اجزاء منها قبل ان يستولي عليها اليهود في اول ايام االنكبة التي
حلت بالفلسطينيين عام 1948.

ورغم كبر سن الحاج خلف الا ان ذاكرته تمتلء بالقصص التي تروي مشاهدته
الحية من زاويتين، الاولى كونه كان جندياً عربياً يخدم في الجيش
الانجليزي، والاخرى كمواطن عاد الى قريته ليجد ان جماعات من اليهود قد
احكمت الطوق على بلدته بعد ان هجّرت امه وأباه واخوته واقاربه عنها واهالي
بلدته منها.

ويروي الحاج خلف ل “الخليج” التي التقته في منزله في مخيم الأمعري،
معايشته لتفاصيل النكبة المؤلمة التي حلت بمئات آلاف الفلسطينيين في ذلك
الوقت، الى حد انه يؤكد ان النكبة التي حلت بالفلسطينيين، وقعت بالاساس
بسبب تواطؤ بريطاني رسمي مهد الطريق الى نشوء دولة “اسرائيل”.


ويدعم الحاج خلف حديثه بوثيقة انهاء خدمته العسكرية في الجيش الانجليزي
التي مازال يحتفظ بها لغاية الآن وتحمل توقيع المفتش “د.فر فاول”، واللافت
للنظر في هذه الوثيقة الرسمية التي كتبت باللغتين الانجليزية والعربية
وحسب الحاج خلف، انه تسلمها بعد مرور عامين من وقوع النكبة، حيث ارسلت
اليه من قبرص وجاء فيها ان سبب انتهاء الخدمة هو انتهاء الانتداب
البريطاني. لكن الوثيقة تظهر انها صدرت في القدس بتاريخ 15/5/ 1948 وهو
نفس اليوم الذي اعلن فيه عن قيام دولة الاحتلال.

ويقول الحاج خلف “انا خدمت كأحد عناصر الشرطة في الجيش الانجليزي حيث كان
عمري عندما وقعت النكبة قرابة 26 عاما وكنت متزوجا وكان حينها لي ابن واحد
اسمه “محمود” وكان حينها يحبو على الارض، وكنت اخدم قبل وقوع النكبة في
بلدة ابو غوش في حين كان اهلي يعيشون في قرية لفتا التي كان يبلغ عدد
سكانها آنذاك قرابة 12 الف نسمة.

واشار خلف الذي انتقل للعمل ضمن صفوف قوات الجيش الاردني الذي تولى
مسؤولية ادارة الضفة الغربية بعد انتهاء الانتداب البريطاني، الى مجموعة
من المشاهدات التي كان يراها وقال “لقد شاهدت نساء واطفالاً يموتون من
العطش لأنهم قطعوا مسافات طويلة مشيا على الاقدام”، موضحاً ان الجيش
الاردني عمل على نقل المياه لهؤلاء المواطنين الذين تحولوا في ليلة وضحاها
الى مشردين يفترشون الارض ويلتحفون السماء بعد تجميعهم في مراكز مدنية.

واوضح خلف انه وخلال خدمته في الجيش البريطاني كان يشعر ان هناك جملة من
المؤشرات التي تؤكد التواطؤ الانجليزي، مشيرا الى ان الضابط المسؤول عنهم
حينها قام بنقلهم الى مناطق بعيدة عن بلدتهم “لفتا”، كما انه طلب منهم
مغادرة قرية أبو غوش القريبة من القدس، مؤكداً أن تلك كانت اول مؤشرات
تهجير السكان الاصليين من قراهم الى قرى شمال غرب القدس “الجيب، بيت دقو،
بيت عنان” في حين ان قسماً منهم توجهوا الى رام الله.

وتابع “ان ذلك الضابط طلب منا كجنود عرب في الجيش البريطاني تسليم
اسلحتنا” وقد أثار هذا الطلب الريبة في قلوبنا ما دفعنا إلى رفض الانصياع
للاوامر، والاحتفاظ بزينا العسكري واسلحتنا”.


واضاف “كان كل همي في ذلك الوقت معرفة مصير زوجتي وابني محمود ومعرفة مصير
اهلي” موضحا انه تمكن من اللحاق بآخر قافلة انجليزية غادرت قرية ابو غوش
حيث وجد زوجته في شقته التي استأجرها حيث قام بإخراجها مع ابنه والسفر الى
رام الله التي كانت تعيش مع اللاجئين المهجرين من قرى وبلدات داخل الخط
الأخضر.

واشار الى انه واصل الخدمة العسكرية في مركز شرطة رام الله حتى قدوم الجيش
الاردني وتسلم تلك المقار من قوات الانتداب البريطاني، موضحاً انه قام
باستئجار شقة صغيرة في بلدة البيرة حينها وبقي فيها حتى قام بشراء قطعة
ارض صغيرة بالاشتراك مع اخوته.

وعن فاعلية الثوار في مواجهة ما كانت تتعرض له فلسطين حينها من استباحة،
أكد الحاج خلف ان الثوار كان لهم دور كبير في صد العدوان والدفاع عن
البلدات والقرى، موضحاً ان كل جهود الثوار كانت متجهة للدفاع عن القدس لكن
بسبب الدعم العسكري والاسلحة المتطورة حسمت المعركة لصالح الاحتلال
“الاسرائيلي”.


وأشار الحاج خلف وبعد مرور 20 عاما زار قريته لفتا حيث وجد بعض الجماعات
اليهودية تحتل العديد من المنازل بما في ذلك منزل عائلته، وقال إنه وقف
على مسافة بعيدة من المنزل واخذ يشاهد ما المّ بقريته الأمر الذي أثار
الشك والريبة في نفوس الحراس “الاسرائيليين” الذين توجهوا اليه وسألوه عن
سبب تواجده في هذا المكان.

وأضاف: “صعقت من هذا لسؤال ولم اتمالك نفسي فقلت لهم انتم ماذا تفعلون هنا
(...) هذا بيتي وشاركت في بنائه واعرف كل زاوية فيه”، وقد صدم هؤلاء
الحراس الغرباء عندما عرفوا انهم يقفون مع صاحب المنزل، فطلبوا منه الدخول
اليه حيث بدأ يشرح تفاصيل المنزل لهم.

وقال: “عندما تأكدوا انني من اصحاب المنزل قال احدهم ان هذا المنزل أصبح ليهودي اسمه “بنحاس سفير”.

واشار خلف الى انه تلقى كتاباً رسمياً وصل اليه عبر البريد ويفيد بأن لديه
اموالاً بدل ممتلكاته في لفتا، وقد رفض مراجعة الدوائر “الإسرائيلية”
المختصة وقال “لو اعطوني كل يملكون فإنها لا تساوي ذرة تراب واحدة في
قريتي”.


كان اهالي “لفتا” يعتمدون في حياتهم على زارعة الارض بالقمح والشعير
والفول والحمص، وأوضح أن عائلته كانت تملك مساحات شاسعة من الاراضي
وخصوصاً في منطقة واد الشيخ القريبة من قرية لفتا.


وقال: “انها مفارقة عجيبة ان نكون من اصحاب الاراضي الواسعة، لنصبح انا
وعائلتي وابنائي واولادهم نعيش فوق قطعة ارض صغيرة جدا اشتريناها بانتظار
العودة الى ديارنا”.

وتعكس حالة الحاج خلف واقع حال جزء كبير من الفلسطينيين الذين هجرتهم آلة
الحرب “الإسرائيلية” عن قراهم وبلداتهم قبل 60 عاما، ليتحولوا الى لاجئين
يعيشون في المخيمات الضيقة وسط اكتظاظ غير مسبوق بعدد السكان بسبب تنامي
اعدادهم في انتظار تنفيذ قرارات الشرعية التي تطالب بعودتهم الى ديارهم.


وبينما كان الحاج خلف يغرق في سرد ذكرياته، جلس ابنه محمود (62 عاما )الذي
عايش النكبة منذ ان كان عمره عامين، وهو يتابع حديث والده عن معاناتهم
وتدخل قائلا “هذه الارض لا يعيش فيها شعبان، والي بيجرب المجرب عقله مخرب”.

واضاف: “انا عشت النكبة منذ ايامها الاولى واخشى ان تتواصل حتى احفاد
احفادي”، مشيرا الى ان ما حل بالفلسطينيين من ظلم وقهر يعكس غياب العدل
وسيادة الاحتكام للقوة والمصالح الدولية اكثر من الانحياز للبعد الانساني.

واشار الى حجم المعاناة التي يكابدها كلاجئ منذ ان سكن مع عائلته في
الخيام التي نصبوها منذ سنوات النكبة الاولى وقال “لا يمكنني ان انسى
اصوات قطرات الماء وهي تسقط من بين الصفيح الذي يغطي ظهر الخيمة في الصحون
التي كانت توزعها امي داخل الخيمة”.

واضاف “تلك الاصوات مازالت تحفر في عقلي وكأنها تذكرني على الدوام بالمسؤولين عن نكبتا وتمنعني من النسيان”.

وأمام الضائقة السكنية في المخيم وتردي الاوضاع الاقتصادية لم يجد محمود
خياراً أمامه سوى بناء شقتين صغيرتين فوق منزل والده، لكي يعيش فيها ولداه
(ايهاب واحمد) اللذان تزوجا وقال: “الجميع يعرف غلاء المعيشة خارج حدود
المخيم لذلك لم يكن امامنا من خيار سوى استغلال المساحة الصغيرة الموجودة
لضمان حياة كريمة لاولادي”.

ويؤكد ايهاب وهو في أواخر العشرينات من العمر، انه عندما قرر الزواج كان
همه الرئيسي البحث عن شقة يعيش فيها مع زوجته، لذلك بنى شقة فوق منزل جده
الحاج احمد خلف.

ويحرص ايهاب مع صبيحة كل يوم التوجه الى جده احمد خلف وتقبيل يده والجلوس
معه للاستماع إلى احاديث وقصص النكبة التي عايشها، ولا يتردد ايهاب في وصف
جده ب “ذاكرة التاريخ التي ترفض النسيان”، موضحا ان جده لا يزال يواصل سرد
الكثير من القصص والروايات لاولاده واحفاده كي لا ينسوا ما حل بالشعب
الفلسطيني من كارثة انسانية امام انظار العالم.


وقال: “جدي هو النافذة التي أرى من خلالها بلدي “لفتا” التي لم ارها منذ ولادتي”.


ويوجد للحاج خلف 5 ابناء لكل منهم اسرته، يعيشون في ذات المساحة الصغيرة
حيث لجأوا الى اضافة غرف جانبية لمنزل ابيهم واضافة طابقين فوقه من اجل
التغلب على مشكلة ضائقة السكن خاصة وان اولادهم كبروا وان عدداً منهم تزوج
ويعيش معهم ويقدر العدد الاجمالي لعائلة خلف التي تعيش في تلك المساحة 25
شخصا.

واختتم خلف حديثه بالقول “امضيت كل هذا العمر وانا انتظر العودة وعلى ما
يبدو انني لن اعود الى بلدتي وامل أن يعود اولادي الى قريتي لفتا”.


والضائقة السكنية التي تواجهها عائلة خلف التي تعيش في مخيم الأمعري في
رام الله، هي واحدة من واقع حال مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين
الذين يعيشون في واقع مأساوي في 27 مخيماً موزعة في مدن الضفة الغربية
وقطاع غزة وعلى مساحات قليلة جدا وسط ازدياد اعدادهم فيها.


وبينما يحافظ اللاجئون الفلسطينيون على أمل العودة الى أراضيهم رغم طول
الانتظار، فإن المساحات التي يعيشون فيها داخل المخيمات تضيق عليهم وعلى
اولادهم واحفادهم، في حين يحرص الحاج خلف على الاحتفاظ بمفاتيح منزل أبيه
في “لفتا” مع بقية الاوراق الثبوتية التي تثبت ملكيته للارض والمنزل.


يتبع ...













































































نحب لكم بصمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.designer.yoo7.com
الوتر الحساس
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
(-* رئيس الملتقى*-) عازف الذكريات
avatar

ذكر
sms كل سنة وجميع البشر بخير وحب وسعادة وتسامح
الابراج : الحمل
عدد المساهمات : 755
نقاط 10001683




العمر : 29
تاريخ الميلاد : 21/03/1989

تاريخ التسجيل : 18/07/2009


بطاقة الشخصية
لعبة النرد:

مُساهمةموضوع: رد: عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..   الإثنين 30 نوفمبر - 22:16

60 عاماً على النكبة ... ( الحلقة الخامسة ) ...

بيسان عروس الأغوار وذكريات حارة لم تطفئها سنوات الغربة








القدس المحتلة - وديع عواودة:


ستة عقود انقضت جرت خلالها مياه كثيرة في نهر الأردن لكنني حرصت على زيارة
ضريح والدتي في مدينة بيسان المهجرة عاما تلو العام. يقول محمد سرحان أبو
أحمد(80 عاما) فور انتهائه من تلاوة "الفاتحة" داخل المقبرة الإسلامية
خلال مرافقتنا له في زيارة مدينة بيسان التي تصادف ذكرى تهجيرها الستون في
الثامن من مايو/أيار في نفس يوم سقوط عروس البحر يافا.


في طريقنا من مكان إقامته الحالي في قرية الفريديس قضاء حيفا استعاد أبو
أحمد بلهجة تقطر حنينا ووجعا ملامح "ضيعة كان اسمها بيسان".

ويولي الحاج محمد سرحان الكثير من الحب لمدينته المدللة ويقول إنها كانت
تمتلك ملامح مدينة رغم قلة عدد سكانها وهم خليط من مدنيين وفلاحين وبدو
ومن القبائل المقيمة في محيطها كالغزاوية والصقور والزيناتي والبشاتوة
والبواطي وغيرهم.

ويضيف "كانت بيسان عروس الأغوار الفلسطينية حتى لو غارت أريحا وزعلت
طبريا، ففيها المروج الخصبة والينابيع الفياضة وخيرات الله وبركاته وفيها
عشنا وكأننا في قطعة من الجنة".

يستذكر على مسامعنا ومرآنا المعالم العمرانية المتبقية في المدينة التي
ولد فيها وترعرع ولم يلبث عامه الثاني في عمله موظفا في وزارة الصحة
الفلسطينية يوم ضرب زلزال النكبة عام 1948.

جال أبو أحمد شوارع مدينته المخطوفة السبية وتوقف قبالة منازل أصدقائه
ومعارفه وأهالي بلده وعند كل معلم باق ليروي قصة الضيعة التي حباها الله
بكل خير.

لكن محطته الأولى كانت في المقبرة الإسلامية الواسعة والتي تكاد أضرحتها
تنطق لشدة الإهمال والانتهاكات. وفاء لوالدته التي قضت في ريعان شبابها في
31/12/1946 كما يدلل شاهد القبر يزور أبو أحمد "ست الحبايب" يتلو الفاتحة
ويذرف دمعة ويمشي.

في محطة القطار الحجازية غربي المدينة أشار أبو أحمد إلى بيت أبو العز
الأرناؤوطي (بوسني) مدير المحطة طيلة فترة الانتداب، وإلى جهة الغرب بيت
محمد حسن أبو خليل مفتش المحطة من قرية قومية المهجرة في قضاء بيسان.

ويشكل القطار بالنسبة لأبي أحمد أكثر من مرفق اقتصادي مهم في بيسان، فهو
حامل لذكريات طيبة يوم كان يستخدمه للسفر إلى حيفا وطبريا ودمشق مقابل
قرشين ونصف أو قرشين كما يقول، ويضيف "ليس أجمل من السفر في القطار خاصة
أيام الربيع حينما كان يتجول في ربوع الوطن المخضر".

وبفضل ذاكرته العامرة كان أبو أحمد لا يتردد في تسمية أصحاب عشرات المنازل
الحجرية البازلتية الباقية في بيسان عدا منزله كونه قد هدم بالكامل. "هذه
دار آدم السالم صاحب محطة وقود وشركة باصات بيسان والذي انشأ في الناصرة
شركة مواصلات جديدة بعد التهجير، وهذه دار أبو مجيد التهتموني.. دار صغيرة
بطابق واحد وقدامها شجرة نخل عالية وبجوارها دار أحمد رشيد أبو علي وهو
مباشر في محكمة الصلح الفلسطينية في بيسان حولت اليوم إلى مقر لشركة
اقتصادية "إسرائيلية". وإلى الغرب من هذه كانت كنيسة الروم الأرثوذكس قبل
ما يهدموها".

غير أن أكثر حوادث المدينة أثرا وأعمقها في ذاكرته ما يتعلق بطرد سكان
بيان العرب البالغ عددهم نحو ستة آلاف في مطلع مايو/أيار بعد قصفها بمدافع
المورتر واحتلالها من قبل الحركة الصهيونية.

ولفت أبو أحمد إلى أنه كان ووالده قد بقيا مع آخر مجموعة تركت بيسان يوم
دهمتهم دورية "إسرائيلية" في التاسع من مايو/أيار مشيراً إلى أن ضابطا
يهوديا من مستعمرة معوز حاييم المجاورة قد أخذ يصرخ ويسأل عن سبب عدم
نزوحهم عن المدينة بعد. وأضاف "قلنا إننا جئنا لنحوز بعض حاجاتنا
الأساسية، وخلال الحديث أغارت طيارة عراقية وقصفت المكان فاختبأنا وما
لبثوا أن استقدموا لنا سيارة ونقلونا على الناصرة".

قبل شارع بيسان أريحا- وطبريا بمائة متر من جهة اليمين جنوب الشارع
الرئيسي في بيسان التي يسكنها اليوم يهود شرقيون هناك دار البلدية وهي
عمارة مهملة مملوءة بأوساخ الحمام والغربان وفي واجهتها بقايا مصابيح
كهربائية.

قبالتها وبعيون مشدوهة استذكر أبو أحمد أن بيسان سبقت مدينة يافا
بالارتباط بالتيار الكهربائي، منذ العام 1926. ولفت إلى أن الشارع المحاذي
كان يدعى شرحبيل بن حسناء قبل أن يصبح رحافعام زئيفي.

وفي نهاية الشارع ما زالت ماثلة دار رئيس بلدية بيسان الدكتور رشاد آل
درويش هو منزل حجري أبيض اللون واسع ،شبابيكه الخشبية الخضراء على حالها
وهو محاط بحديقة غناء.

ويعدد أبو أحمد رؤساء البلدية السابقين في بيسان: الشيخ مبارك الزعبي من
سيرين وبعده محمد سعيد الحلبوني وبعده أحمد أبو علي وبعده رشاد درويش.

ويلفت إلى أن رشاد درويش كان طبيبا قد استقر في نابلس بعد تهجيره وتوفي
هناك فيما تعيش في منزله اليوم عائلة يهودية تضم مهاجراً من أصل مغربي
وزوجته مريم وهي مهاجرة من أصل تونسي.

وكشف أبو أحمد أنه يعرف الدكتور رشاد وقال إنه بنى بيته عام 1945 واستذكر كيف رافقه في زيارة منزله في بيسان قبل 20 عاما.

وأضاف "كان ساكنا الدار قد استقبلا "الضيف العائد" وشرحا له كيف اشتريا
المنزل من يهودي آخر من تل أبيب كان استولى عليه عام ،1948 وأضافا أنهما
سمعا وقتها بأن الرجل من تل أبيب وجد داخل البيت ماكنة تصوير طبية
"رنتجين"- فباعها واشترى فيها بيتا جديدا في تل أبيب.. وهذا ما صادق عليه
صاحب الدار الحقيقي د. رشاد.

ويستذكر أبو أحمد أنه وحينما وصل البيت برفقة الدكتور رشاد كانت عمته
المرافقة تبكي كل الوقت وتقول : هنا كان ينام فلان وهناك نام علان...

ومن ضمن المواقع التي أشعلت حنين أبو أحمد لمرتع الطفولة والصبا ساحة
السرايا وهي مركز الحكم العثماني مقابل مدرج روماني ضخم على شكل قلعة ثبت
في واجهتها حجر رخامي كتب عليها اسم السلطان عبد الحميد الثاني ورسمة
الطغراء.

ويستذكر كيف ان معلم الزراعة في المدرسة الابتدائية كان قد بعثه وأترابه
إلى جديقة البلدية كي يقدم لهم والده "البستنجي" درسا في غرس الأشجار فوقف
تحت شجرة وارفة عملاقة غرسها وزملاؤه عام 1944 غرسة صغيرة جدا.


شجرة الأحلام


"كلما أزور بيسان استريح في ظل هذه الشجرة وأشعر بأنها ملك لي حتى اليوم" قال أبو أحمد فيما كانت راحة يده تداعب فروعها بحميمية.


لكن المفارقة أن الصهاينة جمعوا ما تبقى من سكان بيسان في ساحة دار
السرايا بجوار الشجرة قبل طردهم منها في الثالث عشر من مايو/أيار أي بعد
خمسة أيام من سقوطها.


وبكلمات ما زالت ترتجف بين شفتيه استعاد أبو أحمد كيف أحضر الصهاينة عدة
حافلات قبالة السرايا وخيروا نحو ألف من سكان المدينة بينهم عدد كبير من
المسيحيين ممن اعتكفوا بالكنائس طالبين النجاة للرحيل إلى الناصرة أو جنين
أو الأردن.


ويتابع "خلال وجودنا بالساحة اكتشفنا أن الحقيبة التي أودعت فيها كمية من
النقود والذهب قد ظلت بالدار فدعاني والدي للهرب من الطوق واستحضارها خلسة
ففعلت ولكن عندما عدت كانت الحافلة قد تحركت فأكملت طريقي مع المهجرين الى
الناصرة ولولاها لصرنا شحاذين بالشوارع".


تغريبة بيسان


بعد ما طُردت الدفعة الأخيرة من أهالي بيسان استقر الحاج محمد سرحان في
الناصرة قبل النزوح لقرية الرينة المجاورة وسكن وأهله لدى خاله محمد عبد
الفتاح عثامنة.

لكنه ما لبث أن ترك عائلته بعد ما سقط الجليل ونزح إلى لبنان خوفا من
ملاحقة اليهود الذين كانوا يعتدون على الناس "من جنب وطرف" كما يقول،
ويتابع "طلعت مع آلالف الناس، ونمنا في الليلة الأولى في قرية عرابة
البطوف وثاني يوم التقيت أصحاب الدار نازحين على مقربة من البقيعة في
الجليل الأعلى بدافع الخوف جراء انتشار أنباء المجازر في كل مكان".

ويوضح أبو أحمد أن ركب النازحين توقف عند قرية الرامة عندما ركعت سيدة
وبدأت تنجب فاجتمعت النساء ليساعدنها لكنها اضطرت بعد ساعتين لمواصلة درب
الآلام والرحيل معنا حتى قرية مارون الراس في جنوب لبنان.

وبعد النوم في بيت مختار مارون الراس واصل أبو أحمد ومن معه حتى بنت جبيل
حيث أقاموا ثلاثة أيام قبل النزوح إلى بيروت من ثم إلى الشام.

ويضيف "في بيروت التقيت أهل بيسان وكان اللقاء حارا ومؤثرا جدا. وفي دمشق
التقيت بالمحامي السوري عزات الساطي بواسطة أحد أصدقائي فأقمت في داره حتى
سنة 1951 وكنت استعد للالتحاق بالجامعة لدراسة الحقوق على نفقته".

لكن أحلام الدراسة الجامعية توقفت إثر تلقيه رسالة مفاجئة من أولاد خاله
في قرية الرينة يبلغونه فيها باستشهاد والده وشقيقه وبقاء شقيقاته وحدهن
من دون معيل، فأقفل راجعا بلا تردد، ولكن مفاجأة أخرى كانت في انتظاره في
الوطن الذي عاد إليه متسللا "حينما وصلت البلاد لقيت أبوي حيا" وعندها
تكشفت اللعبة: "بعثوا لي رسالة كاذبة بغية استدراجي بعدما سمعوا عن نيتي
دراسة المحاماة وخافوا أن أبقى خارج الوطن وأظل بالشام".

لكن الحرمان من التعليم الجامعي ما زال يقض مضاجع أبو أحمد حتى اليوم فلا
يتوقف عن الإشارة لعمله في بيسان قبل نكبتها موظفا في وزارة الصحة
الفلسطينية مقابل ثلاثة أو خمسة جنيهات بالشهر. ويتابع "كنت ناجحاً
بالأرصاد الجوية والعلوم في المدرسة، وكنت طالبا متفوقا وكان عزيز الخوري
من الرينة أعز المعلمين على قلبي، ومدير المدرسة الأول كان حسن فرحات من
البهائيين قبل استبداله بأحمد موسى من كفر قدوم، وسعيت كل عمري لاستكمال
تعليمي العالي لكن هموم الحياة والانشغال بلقمة العيش أبقت ذلك حلما جميلا
صعب المنال".


الحاج أحمد صباح يتذكر نكبة قريته "أم الشوف" وأيام النفي




عمان - "الخليج":

يتمسك الحاج احمد صباح "75 عاماً"، بسندات تسجيل لأراضٍ تعود لوالده تابعة
لقرية "ام الشوف" في منطقة حيفا، ويؤكد ان تلك الاوراق والمستندات تخفف
بين الحين والآخر من احزانه وجراحات النكبة، بيد ان الاحزان تطل من عينيه.



يوم "ام الشوف" الاسود جاء عندما كان صباح ووالده واخوته يزرعون الحقل
بالدخان وجاء مناد من قرية "صبارين" المجاورة يصرخ "اليهود احتلوا
البلاد"، وما هي إلا سويعات حتى اندفعت القرية بكل ناسها خارجاً وتوجهوا
الى جنين بمساعدة جيش الانقاذ العراقي، فيما حلت عائلته بقرية "برقعة"
القريبة على امل العودة.



ويقول صباح: عدت بعد ايام بطلب من والدي لاحضار اوراق مهمة من المنزل
ليبدأ فصل عذاب جديد مع رحلة اعتقال لم تخل من الاهانات والتنكيل، يجهش في
البكاء ويداري وجهه بكفيه "اخذونا الى بيوت اهالي يافا اللي طردوهم منها
وخلونا ننهب كل اللي فيها ونحمله في شاحنات، كان الموت ارحم من تلك
اللحظات، لحظات نهب اهل بيوتنا وناسنا".



وعبر عملية تبادل للاسرى افرج عن صباح، بعد اعتقال دام ثمانية عشر شهراً،
ومن القدس الى طولكرم بحثاً عن اهله ليجدهم في قرية "عتيل". موقف يقول انه
لن يمحى من ذاكرته مشاعر اختلطت فيها الفرحة بالحسرة والاسى واللوعة.



مشوار الرحيل تواصل، فمن "عتيل" الى مخيم "نور الشمس" بالقرب من طولكرم
ومنها الى اربد في شمال الاردن، وبعدها الى الرصيفة بضواحي العاصمة عمان
فترتعد اوصاله من جديد وهو ينظر بحزن في عيون من حوله، ويقول: "راح اللي
راح رجعت الى قريتي في العام ،1977 كانت ممسوحة بالكامل عن الوجود لم اعرف
لها حدوداً، بحثت عن منزلنا ومنازل اقاربنا ولم اجد شيئاً، - يستجمع
انفاسه بصعوبة - كل ما وجدته شجرة التين التي كانت مزروعة امام البيت".



ورداً على سؤال للحاج صباح عن قرار الامم المتحدة القاضي بالعودة او
التعويض قال: "الموضوع ليس تعويضاً، واذا كان كذلك فعن اي شيء سيتم
تعويضي، الاوراق تؤكد بأن نحو 1900 دونم من أراضي المنطقة كانت ملكاً
لوالدي واخواني". وفي التفاصيل يقول: "تاريخ الاحتلال 12 مايو/أيار ،1948
لقد دمّر اليهود كل شيء، وانقاض بيوت لا تزال موجودة، وارتكبوا مذبحة ضد
سكان البلدة، البالغ تعدادها آنذاك 557 نسمة وعدد البيوت ،128 كانت تضم
مسجداً، وعلى حوافها اقيمت في العام 1953 مستعمرة "غفعت نيلي".


يتبع ...








































































نحب لكم بصمت

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.designer.yoo7.com
 
عاما على النكبة ... (الحلقة الأولى) ..
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
* •.¸¸.•*´مكتبة ومطبعة ديزاينر `*•.¸¸.• *  :: °¨¨™¤¦ السـ ـ ـاحــ ـ ات العـ ــ ـامـ ــة ¦¤™¨¨° .. :: منتدى الثرات الفلسطينى-
انتقل الى: